الاثنين، 4 يناير 2016

الجزائر في ظل الحكم التركي العثماني ( 1518م -1830م)



جامعة الجزائر 03
كلية علوم الإعلام و الاتصال
قسم الاعلام
محاضرات في مقياس مدخل الى تاريخ الجزائر المعاصر 
السنة أولى  (ل.م.د)
السنة الجامعية:2015-2016
الأستاذة : الدكتورة بوزيفي وهيبة
المحاضرة الأولى :
خطة الدرس:الجزائر في ظل الحكم التركي العثماني ( 1518م -1830م)
1-              الفتح التركي العثماني للجزائر
2-               إلحاق الجزائر بالخلافة العثمانية
3-              مراحل و خصائص الحكم العثماني ( عهد اليايلربايات ، عهد الباشوات ، عهد الأغاوات ، عهد الدايات ) مع الإشارة إلى مدة كل عهد و مميزاته على جميع الأصعدة و أبرز الأحداث الداخلية و الخارجية .

1-  الفتح التركي العثماني للجزائر :
من المعلوم عند العام و الخاص أن الدولة العثمانية وقفت كسور منيع في طريق التوسع الأوروبي في العالم الاسلامي طوال أربعة قرون من الزمن ، كما عملت الدولة العثمانية على توحيد صفوف المسلمين في العديد من الدول ، هذا ما جعل الدول الغربية تتخوف من وحدة المسلمين و تكاتفهم من جهة و تحقد على الدولة العثمانية من جهة أخرى  ، و لهذا يعتبر العثمانيون في نظر الدول العربية بمثابة " أبطال ساعدوا الدول العربية الضعيفة ، مقارنة بأوروبا على التخلص من هيمنة الأوروبيين و تفضيلهم على الغزاة المحتلين لأراضيهم ."
أ‌-     دوافع التواجد العثماني بالجزائر :
لم يكن ليوجد الأتراك في الجزائر لولا غزو الاسبان لها و لم يتوصل الاسبان إلى احتلال بعض أجزائها إلا باستغلال الضعف و الانحطاط الذي عرفته الجزائر في أواخر عهد الدولة الزيانية ، فدخل أمراؤها في صراع على العرش ، و لم تعد تملك هذه الدولة من النفوذ إلا تلمسان و بعض أجزاء المناطق العربية ، فعجزت عن مقاومة الغزاة و أجبرت على عقد الصلح مع الاسبان سنة 1512 م اعترفت فيه باستيلاء الاسبان على عدة موانئ في غرب الجزائر ( احتلال الاسبان للمرسى الكبير في شهر أكتوبر 1505م ، و مدينة وهران في شهر ماي 1509 ، و بجاية يوم 6 جانفي 1510 ، و مستغانم 1511 م ) . كما فرض الاسبان الجزية ( الضرائب ) على سكان هذه المدن الساحلية . و إجبارهم على تمويل حروبهم الاستعمارية .
    و أمام هذا الوضع المزري و الصعب الذي كانت تمر به الجزائر في بداية القرن السادس عشر ، لم يجد سكان الجزائر وسيلة إلا الاستنجاد بالأخوين عروج و خير الدين لإنقاذهم من الاحتلال الأوروبي لمدنهم و ذلك بالالتجاء الى تركيا القوية و القادرة على تزويد المحاربين الجزائريين بالذخيرة و الرجال الذين يمكنهم صد الطغاة الأوروبيين . و بفضل تلك المساعدة شعر أبناء الجزائر بدرجة عالية من الأمان و الاطمئنان في ظل الدولة العثمانية القوية ، و انطلاقا من هذه الحقائق ، فإن العثمانيين يعتبرون منقذون و ليسوا مستعمرون .
   و من هذا المنطلق نخلص إلى أن لظهور الأتراك بالجزائر كان له دور فعال في انقاذ هذا البلد من احتلال اسباني واقع لا محالة ، لذلك قبل السكان بالانضواء تحت لواء الخلافة العثمانية باسطنبول ، و ما من شك أن رابطة الدين هي التي كانت الدافع الرئيسي للاستنجاد بالأخوين عروج و خير الذين و تلبيتهما النداء ، خاصة و أن الصراع آنذاك كان على أشده بين المسلمين و الصليبيين – كما سبق الذكر - ، و عليه فقد بذل الأتراك العثمانيون جهودا تحفظ لهم في التاريخ من أجل حماية الجزائر من التحديات الاستعمارية طوال ثلاثة قرون .
ب‌- الحاق الجزائر بالخلافة العثمانية :
إن استشهاد عروج و جنوده عام 1518 عن سن يناهز 45 سنة إثر معركة دارت بينه و بين الاسبان خارج تلمسان و بالتحديد بواد المالح بنواحي عين تموشننت ، جعل خير الذين الذي  كان اثرها متواجدا بمدينة الجزائر يعلن تبعيته للسلطان العثماني ، حيث أدرك أنه لا يستطيع لوحده الاحتفاظ بالجزائر و أن يحارب الاسبان بقواته فقط ، و لذلك ربط مصيره بمصير الامبراطورية العثمانية التي برزت كأكبر دولة إسلامية تتوجه نحو حماية المسلمين في كل مكان .
     و ذلك بعد أن اقنع أعيان مدينة الجزائر بخطورة الوضع في الجزائر ، و أهمية انضمام بلدهم إلى السلطة العثمانية التي تزود جيشه بالسلاح و المؤونة و الدعم السياسي لمواجهة الهجمات الاسبانية في حوض البحر الأبيض المتوسط ، و بهذا الأسلوب تمكن خير الدين من تقوية جيشه و بسط نفوذه و ضمن سيطرته على الدوام ، بعد أن أصبح ممثلا للسلطان التركي في أرض الجزائر .
     و بعد أن قدم خير الدين بربروس الولاء لسلطان العثماني سليم الأول قبل هذا الأخير عرضه قبولا حسنا و أرسل له 2000 جندي مسلحين بالبنادق و عددا من رجال المدفعية مع مدفعيتهم و عددا من المتطوعين ، و لم يكتفي السلطان العثماني بذلك ، بل وجه رسائل إلى حكام تونس و تلمسان يحذرهم من الاعتداء على حدود امارة الجزائر .
     و بتعيين خير الدين كأول حاكم تركي على الجزائر من طرف السلطان العثماني صار يلقب ب " بايلر باي " ( أمير الأمراء ) ، و تحول من مجرد أمير البحر إلى رئيس دولة مرتبطة بالإمبراطورية العثمانية و متحالفة معها ضد اسبانيا زعيمة العالم المسيحي .  و قوة يحسب لها حساب كبير على المستوى الدولي .          
     الجدير بالذكر أن تحالف خير الدين مع العثمانيين مكنه من أن يغير مجرى الأمور بشمال افريقيا ، و يوحد هذه البلاد بحيث تمكنت القوات الجزائرية و العثمانية من اخراج الاسبانيين من تونس و طرابلس في القرن السادس عشر ( 16) ، كما ساعد خير الدين فرنسا على تحرير ميناء نيس من القوات الاسبانية المرابطة به و ذلك سنة 1543 م .
     كما استطاع خير الدين أن ينتصر على الاسبانيين في هجومهم العنيف على مدينة الجزائر سنة 1519 ، و كذلك طرد الاسبان من برج الفنار في شهر ماي 1529 .  و بالمقابل تمكن من القضاء على الثورات التي كانت تدبر ضده من الداخل ، و نجح في الاستيلاء على المدن المتبقية من الجزائر : ( القل و قسنطينة عام 1521 ، عنابة 1522 و الحضنة و القبائل و متيجة عام 1525 ، و استرجع مدينة الجزائر من يد سلطان قبائل كوكو بن القاضي عام 1526 .
    يذكر أن السلطان العثماني سليمان الأول ( القانوني ) استدعى خير الدين عام 1535 إلى القسطنطينية و عينه قائدا عاما للأسطول البحري التركي ، و وضع تحت تصرفه البوارج الحربية و المعدات العسكرية التي كسرت شوكة الاسبان في تونس و طرابلس و الجزائر ، و بقي في هذا المنصب حتى وافته المنية عام 1546 عن سن يناهز 80 سنة . و في الوقت الذي تغيب فيه خير الدين عن أرض الجزائر و انشغاله بتنظيم البحرية التركية قام بتعيين ابنه حسن باشا قائدا للجزائر .
2-  مراحل و خصائص الحكم العثماني في الجزائر  :  استمر الحكم التركي للجزائر من عام 1518 إلى غاية تاريخ الاحتلال الفرنسي عام 1830 ، حيث مر بأربعة عهود أو فترات مختلفة ، و كل مرحلة تميزت بأسلوب معين في تسيير شؤون البلاد ، لكن قبل الخوض في طبيعة و خصائص كل حكم لا بأس أن نشير إلى نقطتين مهمتين  :
·        الجزائر كانت بعيدة عن القسطنطينية و بالتالي كانت تسير من طرف بعض العناصر القوية في مدينة الجزائر .
·        كانت هناك فئتين أو طبقتين سيطرت على الجزائر طيلة الحكم التركي بها ، ففي المرحلة الأولى منه كانت الطبقة الحاكمة بالجزائر هي فئة " الرياس "  ، أما الفئة الثانية التي سيطرت على الجزائر لمدة طويلة فهي فرقة " اليولداش " المتكونة من الجيش البري ( الانكشاريين ) و كان اليولداش لا يشعرون بالانتماء الى الجزائر ، و الشيء المهم بالنسبة لهم هو السيطرة على البلاد و قتل كل من يعترض طريقهم ، و الحقائق التاريخية تؤكد أنهم كانوا يخلعون الحاكم الذي لا يرضيهم و يضعون بدله الشخص الذي يروق لهم ،  علما أن نفوذهم في الجزائر لم ينته إلا في سنة 1817 عندما قام الداي علي خوجة بحملة ضدهم.  
أ‌-                 عهد البايلر بايات ( 1518 -1587 ) : يمثل هذا العصر أزهى عصور الحكم التركي في الجزائر ، حيث ازدهرت البلاد في هذه الفترة من النواحي التعليمية و الاقتصادية ز العمرانية ، و ذلك بفضل التعاون بين فئة الرياس في القيادة و أبناء الجزائر ، و قد ساهم في تنمية البلاد و ازدهارها مهاجرو الأندلس الذين وظفوا خبراتهم و مهاراتهم في ترقية المهن و البناء العمراني و تقوية الاقتصاد الجزائري .
و يمكن تلخيص عصر البايلر بايات من خلال أبرز خصائصه  و انجازاته كالتالي :
·        دام عهد البايلر بايات مدة 70 سنة .
·        يأتي قرار تعيين الحاكم في الجزائر من طرف السلطان العثماني .
·        كانت السلطة في يد رياس البحر أو جنود البحرية  .
·        تحرير برج فنار عام 1529 من الاسبان ، و تحرير بجاية من الاحتلال الاسباني عام 1555 ، و إنهاء الوجود الاسباني في تونس عام 1574 م.
·        ازدهرت الجزائر في هذه الفترة التي تميزت الحياة السياسية فيها بالاستقرار و تحالف الجميع ضد العدو الاسباني .
·        بداية بناء الأسطول الجزائري و تأسست فيها الوحدة الإقليمية للجزائر .
أهم الأحداث التي شهدتها فترة البايلربايات :
أ‌-                 على الصعيد الداخلي : امتازت هذه مرحلة على المستوى السياسي الداخلي بالقوة و توطيد ركائز الحكم ، و توحيد رقعة البلاد ، حيث استطاع البايلربايات أن يحققوا الوحدة الإقليمية و السياسية للجزائر ، التي امتد نفوذها و سيطرتها إلى كل الجهات شرقا و غربا و جنوبا ، و القضاء على كل الإمارات المحلية : إمارة تلمسان ، الإمارات الحفصية في قلعة بني عباس ، قسنطينة و عنابة ، و إمارة جبل كوكو بالقبائل ، و يعد "صالح رايس"  البطل في تحقيق هذه الوحدة ، لاجتهاده في مد نفوذ الأتراك إلى واحات الجنوب و قضى على الدولة الزيانية بتلمسان ، و قام بفرض طاعة سلطة الجزائر على كل المناطق .
و فيما يخص تنظيم البلاد اداريا فقد كان لجهود صالح رايس أثر في ذلك بعد أن امتد نفوذ السلطة التركية إلى معظم المناطق الشرقية و الغربية و الجنوبية للجزائر ، حيث اهتم البايلرباي حسن باشا ابن خير الدين  في ولايته الثانية بتنظيم إدارتها  ، إذ قسمها إلى أربعة بايلكات (عمالات) :
- بايلك الجزائر و مركزها مدينة الجزائر ( دار السلطان )
- بايلك الشرق و مركزها مدينة قسنطينة.
- بايلك التيطري و مركزها مدينة المدية.
- بايلك الغرب و مركزها مدينة مازونة ثم معسكر ثم وهران.
    أما على المستوى الاقتصادي و العمراني ، فقد اهتم البايلربايات بتشييد المساجد وسخروا الأوقاف الطائلة على مشاريع البر و الإحسان ، و شهدت مدينة الجزائر العاصمة خاصة حركة عمرانية كبيرة ،بالإضافة إلى  بناء الحصون ، المدارس ، القصور ، حمامات ، مستشفيات ، و قلاع ضخمة لا تزال آثارها شاهدة إلى الوقت الحالي.
      و من الناحية الاقتصادية امتازت البلاد بغناها الاقتصادي الكبير مصدره الثروات الزراعية و الحيوانية ، و ما يأتيها من أموال الزكاة على الماشية و الحبوب و الزيتون و أنواع المدخولات الأخرى من رسوم وضريبة الصادرات و خمس غنائم البحر التي كان يغنمها الرياس و أموال الجزية التي كانت مفروضة على الدول الأوروبية ، و على المستوى الصناعي فقد عرفت الصناعة تطورا كبيرا مثل : صناعة النسيج ، البرانس ، الزرابي ، و الحياك ، كما كانت تصدر كميات وفيرة من الحبوب و البضائع : الصوف ، الجلود ، الشمع و النسيج إلى الخارج.
ب‌-             على الصعيد الخارجي : كان ولاة هذا العهد كلهم أقوياء اثبتوا جدارتهم سواء في الداخل أو الخارج ، و بفضل مركزهم ومكانتهم مدوا سيطرتهم على تونس و طرابلس ، و تحكموا في  تسييرها و الوصاية عليها ، فبحكم لقبهم البايلرباي يعينون باشوات تونس و طرابلس ، و ذلك نيابة على الدولة العثمانية  و كذا من يخلفهم بالجزائر عندما ينتقل أحدهم .   
أما على مستوى العلاقات السياسية الخارجية فقد استطاعت الجزائر بفضل امتلاكها لأسطول قوي ، أن تفرض إرادتها على الدول الأوروبية و إرغامها على دفع إتاوات مقابل ضمان الأمن و السلام لمراكبها في حوض البحر الأبيض المتوسط . حيث استفحل في تلك الفترة نشاط القرصنة في البحر المتوسط .و بالتالي كانت علاقة الجزائر مع أوروبا في هذه الفترة علاقة القوي بالضعيف ، و كانت الجزائر بطبيعة الحال هي القوية .
  و من جهة أخرى تنافست الدول الأوروبية على اقامة علاقات دبلوماسية و تجارية مع الجزائر ، لكن هذا التفوق العسكري جعلها مستهدفة من طرف الدول الأوروبية التي عملت دون هوادة من أجل تكسير شوكتها و تقليص دورها و مكانتها الدولية ، و هذا ما تم تجسيده في مؤتمر فيينا و اكس لاشابيل.
   و على صعيد آخر اشتدت في هذه الفترة الحملات الاسبانية على الموانئ الجزائرية ، حيث شنت اسبانيا حملة ضخمة على مدينة الجزائر في أوت 1519 ، و حملة شارلكان (Charles Quint )  الشهيرة سنة 1541 ، باءت كلها بالفشل .
     كما شهدت فترة البايلربايات بداية تسرب النفوذ الفرنسي إلى  الجزائر ، نتيجة للعلاقات الطيبة التي كانت تربط بين فرنسا و الامبراطورية العثمانية ، وبسبب عداء الجزائريين و الأتراك للأسبان ، إضافة إلى تنافس فرنسا التقليدي حول وراثة مشاكل القارة الإفريقية. " و تعود العلاقات الطيبة بين  الدولتين  إلى أيام السلطان سليمان القانوني و فرانسوا الأول ، حيث حصلت فرنسا على امتيازات واسعة  في أملاك الخلافة العثمانية عام 1535.  و من أهم هذه الامتيازات نذكر صيد المرجان بالسواحل الشرقية الجزائرية ( القالة ، عنابة و القل ) ، و قاموا بإنشاء حصن القالة الفرنسي سنة 1561 ، و تدعم ذلك الامتياز بعد توقيع معاهدة السلم و التجارة بين الطرفين في عام 1628 .مع العلم أن هذه الامتيازات تسببت في إحداث أضرار جسيمة للتجارة الجزائرية التي أصبحت موجهة لخدمة الأسواق الأوروبية . كما شارك الأسطول الجزائري الناشئ في الحرب الفرنسية ضد اسبانيا .   
ب‌-             عهد الباشوات ( 1587-1659 ) : قبل  البدء في الحديث عن خصائص هذا العهد ، و أهم الأحداث التاريخية التي جرت فيه ، لا بد من الاشارة إلى أسباب تغير النظام السابق :
·        لقد كان ولاة عهد البايلرباي أقوياء ، و أصحاب نفوذ واسع ، تخطت سلطتهم الجزائر إلى تونس ، و طرابلس بحكم أنهم أصحاب فضل في فتح هذين البلدين ، و الحاقهما بالدولة العثمانية ، التي كافأتهم على ذلك بإعطائهم امتيازات واسعة  ، و لما كانت مدة  حكم هؤلاء البايلربايات غير محدودة فكثيرا ما تمتد فترة الواحد منهم عدة سنوات في منصبه ،  و يصبح صاحب مركز قوي ، و نفوذ واسع لدرجة أن الدولة العثمانية بدأت تشتم رائحة التمرد ، و محاولة الانفصال عنها ، و الاستقلال بهذه البلاد ، فتقرر تقصير مدة حكم الوالي إلى ثلاث سنوات فقط ، و التنقيص من امتيازاته السابقة ، و اختصاصاته ، و تغيير لقبه الى الباشا.
و يذكر بعض المؤرخين أن الانكشارية هي التي ظلت تثير تخوفات و شكوك الباب العالي في نية البايلربايات طوال فترة حكمهم ، الأمر الذي جعل من رجال الدولة العثمانية يرون أن السلطة في الولايات الثلاث: الجزائر ، تونس ، طرابلس تحت حكم رجل واحد قد يشكل خطرا على الإمبراطورية العثمانية ، و بالتالي لابد من تقسيم الحكم و فصل الولايات عن بعضها البعض ، و إسناد كل إدارة إلى باشا يحكم لمدة ثلاث سنوات ، و ذلك لإحكام السيطرة على البلاد ومنع حدوث أي تمرد ضدها.
     و بهذا تكون الدولة العثمانية قد فكرت في تأمين وحدة الامبراطورية ، مانعة أن تكون إدارة شمال افريقيا كله بيد شخص واحد و لمدة طويلة .
·        و على صعيد آخر فإن هذا التغيير ( تغيير النظام السابق البايلربايات إلى الباشوات )  يعود إلى  الصراع القائم بين طبقة الرياس و جنود الانكشارية ، و ذلك منذ نشأة الدولة الجزائرية التي قامت و تأسست على أكتاف رجال طائفة الرياس مثل خير الدين و من خلفه . و عليه أراد السلطان العثماني أن يخفف حدة النزاع بين الفئتين و خاصة أن فئة اليولداش ( الانكشارية ) كانت مستاءة من تمتع فئة جنود البحرية بلقب البايلربايات أو أمير الأمراء ، و لذلك قرر السلطان العثماني "مراد الثاني" ، إلغاء هذه الرتبة و تعويضها برتبة أخرى هي رتبة الباشا.
و قد تميزت هذه المرحلة من مراحل الحكم العثماني في الجزائر بمايلي :
-        تعيين باشا تركي في كل من الجزائر و تونس و طرابلس ، بعد أن كان هناك حاكم واحد للمنطقة يوجد مقر حكمه بالجزائر.
-        يقوم السلطان العثماني بتعيين باشا كل 3 سنوات يقوم بإرساله من تركيا و يستدعيه بعد انتهاء فترة تعيينه ، على أن يقوم بإرسال باشا آخر من هناك.
و بالتالي أصبح كل باشا يشعر أنه ليس في حاجة إلى ولاء الشعب مادامت مدة ولايته محدودة ، فأصبح همه الوحيد هو جمع أكبر قدر ممكن من الأموال طوال فترة حكمه. و مادام الحصول على الثروة هو الهدف الأساسي للباشوات فقد أصبحت قضية الحكم مسألة ثانوية لا تهمهم .
-        إن انصراف الباشوات إلى السلب و النهب و جمع الثورة قبل عودته إلى القسطنطينية ، دفع باليولداش أو رجال الجيش البري أن يثوروا عليهم و يضعفوا نظام الحكم في الجزائر.
-        بدأت تظهر الخلافات و التناقضات بين جنود البحرية الجزائرية و جنود البحرية العثمانية ، و خاصة عندما حاول الأتراك أن يخضعوا المصالح الجزائرية لمصالح الامبراطورية العثمانية .
-        كما ظهر التصادم و التنافر بين جنود البحرية و جنود القوات البرية ، و خاصة أن رجال البحرية كانوا يحصلون على غنائم كبيرة من جراء غاراتهم البحرية الناجحة على أساطيل القوات الأوروبية ، و هذا الصراع هو الذي تسبب في اضعاف الدولة الجزائرية .
إن هذا الصراع راح ضحيته الأهالي نتيجة ظلم الانكشارية و انصراف طبقة الرياس إلى مصالحها الخاصة و التخلي – تقريبا – عن دورها في الاهتمام بالرعية و مصالحها .
-        برزت قوة الرياس أو قوة رجال البحرية الجزائرية إلى درجة أن دول أوروبا أصبحت تخشى الجزائر و تسعى لإقامة علاقات تعاون معها.
و من بين أبرز الأحداث التي شهدها عهد الباشوات على الصعيد الداخلي و الخارجي نذكر :
أ‌-                 على الصعيد الخارجي :
-        عمل باشوات الجزائر على وضع حد لامتيازات التجار الفرنسيين بسبب تأييد فرنسا لاسبانيا في عدوانها على الجزائر ، حيث قام الباشا خضر بتحطيم المركز الفرنسي بالقالة و أسر رواده ، و بالمقابل أخذ الفرنسيون يعتدون على السفن الجزائرية  و كان رد الجزائر بالمثل ، حيث أسر القنصل الفرنسي بالجزائر ، و على إثر ذلك تعقدت العلاقات الدبلوماسية الفرنسية مع الجزائر من جهة و مع الخلافة العثمانية  من جهة أخرى ، فاضطرت فرنسا إلى التفاوض و إبرام معاهدة بتاريخ 19/09/1628 م نصت على مايلي :
·         إطلاق صراح الأسرى من الجانبين.
·        التوقف عن الأسر من الجانبين.
·        مسالمة البواخر الفرنسية في البحر.
·        تعيين قنصل فرنسي بالجزائر يتمتع بحصانة دبلوماسية .
·        إعادة بناء المركز الفرنسي التجاري بالقالة.
الجدير بالذكر أن فرنسا لم تحافظ على نصوص المعاهدة و قامت بالاعتداء المتكرر على السفن الجزائرية و شواطئها و قتلت الكثير من الجزائريين ، و كان رد الجزائر بالمثل بتتبع مراكب فرنسا و أسر ما فيها.
-        سوء العلاقة السياسية بين الجزائر  و تونس بسبب تدخل البايات التونسيين في بشؤون شرق  الجزائر ، حيث كانوا يشجعون على قيام الاضطرابات ، و تمت المصالحة بين البلدين بإبرام معاهدة صلح عام 1628م.
-        شنت أوروبا حملة على مدينة الجزائر في أوت 1601 بقيادة الاسباني " جان دوريا " ( Doria  ) و مباركة البابا متكونة من سبعين سفينة حربية و عشرة آلاف جندي من فرنسيين و ايطاليين و اسبانيين متبعة في ذلك خطة الكابتان الفرنسي " روكس " ، لكنها باءت بالفشل.
-        كثرة الغزوات البحرية الجزائرية ضد السواحل الأوروبية ، و خاصة في عهد الباشا الأول " أحمد باشا " ( دالي أحمد ) الذي قاد بنفسه حملات عام 1588 هاجم شواطئ نابولي و صقلية و كورسيكا و اسبانيا .
ب‌-              على الصعيد الداخلي :
-        عرفت الجزائر العديد من التمردات و الثورات امتد لهيبها إلى الأعماق الصحراوية و إلى منطقة القبائل الكبرى نتيجة ارهاقهم بالضرائب ، كثورات القبائل ( 1643) التي اندلعت بسبب زيادة الضرائب على المناطق القبلية ، و ذلك ليتمكن الباشوات من جمع المزيد من المال و بسرعة ، و في اعتقادهم أن القبائل لا تثور ، بالإضافة إلى الثورة العارمة التي تزعمها رياس البحر من جهة و الجنود الانكشاريون من جهة ثانية ، حيث ثارت الفئة الأولى بسبب قيام الباشا إبراهيم بحرمانهم من المبالغ المالية التي خصصها لهم الباب العالي تعويضا عن خسائرهم في منطقة البحر الأدرياتيكي ، و قيامه بدفعها كرشاوي لرجالات الدولة في القسطنطينية حتى يبقوه في منصبه ، و من أجل ذلك هاجم رياس البحر قصره و اعتقلوه و أودعوه السجن ، ثم بعد ذلك تم ترحيله إلى " إزمير "  . أما فئة الانكشارية فقد ثارت على نظام الباشاوات بسبب تطلعها المستمر إلى السيطرة  و الحكم بشتى الوسائل.
    و بالتدرج انتقلت إدارة الولاية الى الانكشاريين و كسب ديوانهم قوة و نفوذا ، و صار الباشوات موظفين فقط برئاسة الاحتفالات الرسمية و بعقد المعاهدات ، و انتهى الأمر بسيطرة فرقة الانكشارية على السلطة سنة 1659 ، و اختفاء نظام الباشوات ، و ظهور نظام جديد عرف بعهد الآغوات.
  و قد تقرر إعطاء السلطة التنفيذية للأغا رئيس الفرقة العسكرية ، أما السلطة التشريعية فقد تقرر أن تكون بيد الديوان  و بالتالي أصبحت طائفة الرياس تحتل مكانة ثانوية في شؤون الحكم .
ت‌-             عهد الآغاوات ( 1659-1671) : تعتبر هذه الفترة من أقصر فترات الحكم العثماني في الجزائر ، حيث عرفت فيها البلاد اضطرابات سياسية كبيرة في نظام الحكم ،  من انقلابات ، و اغتيالات ، و فساد ، و تعرض الحكم التركي فيها لهزات عنيفة عجز فيها عن توفير الأمن و الاستقرار الداخلي.
و يصف معظم المؤرخين عصر الآغاوات بالدموي و ذلك لكثرة عمليات الاغتيال التي يرجعون سببها أساسا إلى طبيعة تعيين الآغا ، و المتمثلة في انتخاب آغا جديد من طرف الجند كل شهرين حسب الأقدمية من بين ضباط الانكشارية ، و هو ما يشكل بحد ذاته خطرا على السلطة ، انعكس بدوره سلبا على المجتمع . و برغم قصر فترة نظام الأغوات فقد تعاقب أربعة منهم على الحكم كلهم قضوا اغتيالا ، حتى أن الجند لم يجدوا من يقبل بهذا المنصب الذي أصبح أقبل السبل للموت.
   و من أهم خصائص هذا العهد نذكر :
·        السلطة التنفيذية بيد أحد أعضاء الجيش الانكشاري ، أما السلطة التشريعية فيتولاها الديوان .
·        أصبحت طائفة الرياس تحتل مكانة ثانوية في شؤون الحكم ، و بالمقابل سيطرة الانكشارية على السلطة .
·        قرر ديوان الانكشارية أن يتولى الآغا الحكم عن طريق الانتخاب ، على أن يبقوا في الحكم لمدة شهرين اثنين فقط ، و بالتالي أصبح الديوان هو الذي يقوم بانتخاب " الآغا " المنتدب للحكم ، بعدما كان الحاكم يعين من قبل السلطان العثماني خلال مرحلتي " البيلربايات ، و الباشاوات.  "
·        اضمحلال نفوذ السلطان العثماني و غياب السيادة العثمانية في الجزائر ، و نتج عن ذلك استياء تركيا من انفصال حكام الجزائر عنها و قطع كل المساعدات عنهم.
و في هذا الصدد أرسل الصدر الأعظم  " كوبرلو محمد بن باشا " فرمانا إلى الجزائريين يخبرهم فيه " أخيرا لن نرسل إليكم واليا ، بايعوا من تريدون ...لدينا الآلاف من الممالك مثل الجزائر ..."
·        و ضع الاغتيال كقاعدة أساسية لكي يحل آغا جديد محل آغا قديم رفض التخلي عن السلطة ، وانتهت مدته ، الأمر الذي جعل كل الآغاوات يقتلون عندما حاولوا عدم التخلي عن  مناصبهم .
·        استفحال الصراعات المحلية سواء بين ضباط الجيش البري أو ضباط الجيش البحري ، و تذمر أبناء الشعب من الفساد السياسي و انتشار الفوضى في البلاد .
·        نجح " اليولداش " في قلب نظام الحكم و الانفصال عن العثمانيين و الحد من سلطة " الرياس" لكنهم فشلوا في انشاء نظام سياسي ديمقراطي ناجح.
·        كان الانقلاب على الباشوات عبارة عن انتقام من طائفة أو فئة الرياس التي كانت كلمتها مسموعة غي عهد الباشاوات .
أما فيما يخص أهم الأحداث التي شهدتها فترة حكم الآغاوات فنلخصها فيمايلي :
أ‌-                 على الصعيد الخارجي :
-        برز الصراع بين فرنسا و انجلترا حول السيطرة على افريقيا الشمالية.
-        كثرت الغارات البحرية الفرنسية ضد الجزائر ، ففي عام 1663 شنت فرنسا حملة عسكرية بقيادة الدوق دوبوفور (  Duc Beaufourt ) للاستيلاء على مدينة الجزائر ، و لكن هذه المحاولة باءت بالفشل ، فنظمت حملة أخرى انطلقت من ميناء تولون ( Toulon ) يوم 23 جويلية 1664 تحتوي على 83 سفينة و 8000 عسكري بقيادة كولبير( Colbert ) و الدوق دوبوفور و نزلت بجيجل ، لكن سكانها و الأتراك أجبروهم على الرحيل بعد معركة دموية خسرت فيها فرنسا العديد من بواخرها و جنودها . فكرر ملك فرنسا لويس الرابع عشر عام 1665 هجوما آخر فاشلا على كل من مدن شرشال و القل و جيجل ، و لم يعد السلم بين الدولتين إلا بإبرام اتفاقية جديدة مع فرنسا.  في 7 ماي 1666 التي نصت على اطلاق الأسرى من الجانبين و مسالمة سفن الجانبين في البحار ، و بعد إبراهم المعاهدة حصل هدوء نسبي بين البلدين لتدخل قوات أخرى في الصراع .
-        قامت انجلترا عام 1669 بشن هجوم على الجزائر و الاعتداء على مراكبها في عرض البحر لكن المدفعية الجزائرية أجبرتها على العودة ، و في سنة 1671 هاجم الانجليز ميناء بجاية و أضرموا النار في اثني عشر مركب جزائري ، كما هاجموا ميناء الجزائر و اضرموا النار في ثلاثة مراكب .
-        دخل حلبة الصراع ضد الجزائر إلى جانب الفرنسيين و الانجليز كل من الاسبان و الهولنديين ، و كاد الأمر يتحول الى تحالف أوروبي ضد الجزائر ، إلا أنها تفطنت وفوتت الفرصة فصالحت الهولنديين عام  1663 لمحاربة الفرنسيين ، و صالحت الفرنسيين لتحارب الانجليز و الهولنديين ، و في عام 1671 صالحت الانجليز لتعود الى الحرب مع فرنسا و هكذا.
ب‌-             على الصعيد الداخلي :
-       الانفصال عن الخلافة العثمانية و الاستقلال بالجزائر من الناحية الشكلية .
-       امتنع الرياس عن تقديم الدعم الاقتصادي للانكشاريين " الطبقة الحاكمة" و كانوا يسعون إلى إثارة الاضطرابات ضد الأغوات محاولة منهم لاستعادة السلطة التي سلبت منها.
-       عدم رضا الأهالي عن الطبقة الانكشارية .
-       فشل الآغوات في فرض نفوذهم على السلطة ، كما شبت عدة ثورات ضدهم في جهات كثيرة مثل: العاصمة ، و بلاد القبائل عام 1668 م ، نالت من هيبتهم ، و جعلتهم عاجزين على القبض بزمام الأمور. الأمر الذي شجع طائفة رياس البحر لاستعادة مكانتهم .
و بعد اغتيال علي أغا عام 1671. ألغي هذا النظام بقرار من ديوان الأوجاق و الذي عوض بنظام الدايات ، حيث يظل الداي  في الحكم طوال حياته دون أن يكون له الحق  في تعيين من يخلفه.    
ت‌-             عهد الدايات ( 1671-1830) : يمثل هذا العهد المرحلة الأخيرة من مراحل التواجد العثماني بالجزائر ، و يعتبر نظام الدايات انتصارا لطائفة الرياس ، كما يدل ذلك على اختيار الدايات الأربع الأولين من بين طائفة الرياس ، و من فترة 1671 إلى 1689  كان الدايات ينتخبون من طرف الرياس ، ثم استرجع الأوجاق نفوذهم ، فأصبح الداي يختار من بين ضباط الانكشارية ، و ذلك بسبب الحملات الأوروبية على السواحل الجزائرية خلال عهد الدايات و التي ألحقت أضرارا كبيرة بالأسطول الجزائري و أضعفت مركز الرياس .
و تتميز فترة الدايات بالخصائص التالية :
·        كان لفئة الرياس دورا بارزا في تأسيس حكم الدايات الذين عملوا على تقليص نفوذ الديوان ، وأصبحت سلطته شكلية ، و بدخول الجزائر عهد الدايات عرفت استقرارا سياسيا .
·        تعتبر فترة الدايات من أهم الفترات التي مرت بها الجزائر، حيث دامت مدة  159 سنة و  هي تعادل نصف تاريخ التواجد العثماني بالجزائر ، و يمكن أن نطلق على هذه المرحلة  بمرحلة الاستقلال الحقيقي للجزائر عن الدولة العثمانية في تسيير شؤونها الداخلية و الخارجية .
حيث احتفظت تركيا لنفسها بسلطات شكلية في الجزائر تمثلت بصفة خاصة في الدعاء للسلطان العثماني في صلاة الجمعة و الاعتراف بمراسيم التعيين و التعاون في مجال الحروب ، بحيث تقوم الجزائر بتقديم المساعدة العسكرية للبحرية التركية في حالة تعرض تركيا للاعتداء خارجي ( كما حصل في معركة نافارين سنة 1827 ) . و  كذا في تقديم دايات الجزائر لهدايا أثناء المناسبات الدينية و السياسية ، و بالتالي القاسم المشترك بين الدولتين دفع  بالجزائر إلى الاعلان عن ولائها الروحي و التبعية الاسمية للدولة العثمانية و تحالفها معها كدولة .
·        محاولات الدولة العثمانية المتكررة التدخل في شؤوون الدولة الجزائرية من أجل استرجاع سلطّتها ونفوذها السابق أيام حكم البايلربايات ، و الباشوات ، و تأثير ذلك على مركز الدايات ، فحفّزت القوى المعادية لهم على التمرد و العصيان.
·        أصبح الداي ينتخب من طرف الديوان العالي ( المجلس ) الذي صار بمثابة برلمان في عصرنا الحالي ، و السلطان العثماني لا يلعب أي دور في اختيار داي الجزائري و ينحصر دوره في إصدار مرسوم ( أو فرمان ) لتثبيت اختيار الديوان العالي بالجزائر ، و في حالة شغور المنصب فإن الديوان العالي هو الذي يختار خليفته بنفس الأسلوب السالف الذكر.
·        بحلول عام 1710 دخلت الجزائر مرحلة هامة في نظامها السياسي ، فأنهت عهد ثنائية الحكم ، برفضهم الباشا المبعوث من طرف السلطان العثماني ، حيث رفض الداي علي شاوش استقبال "شرقان ابراهيم باشا" ، كممثل للسلطان العثماني بالجزائر ،و بالتالي أصبح الداي يجمع بين المنصبين ( الباشا و الداي ) ، و هي مرحلة الاستقلال الفعلي عن الدولة العثمانية . و أكثر من هذا قاوم الدايات حتى وساطة الباب العالي في المشاكل الداخلية و الخارجية للجزائر ، و لم يعد بذلك السلطان العثماني أي نفوذ فيها.
·        يعين الداي في منصبه مدى الحياة ،  حيث كان هو المسؤول العسكري و السياسي للبلاد ، والقاضي الأعلى في أمور الحرب و السلم و المسؤول على الضرائب و على التوظيف ، أي له صلاحيات غير محدودة فقد كان القتل هو الوسيلة للحد من صلاحياته
·        أصبحت الدولة الجزائرية في عهد الدايات تتمتع بحرية العمل في المجال السياسي و بنت جيشا قويا و عندها ميزانية مستقلة لا تقل أهمية عن ميزانية الدول القوية في تلك الفترة ، كما كان الداي يعقد المعاهدات ( سلم و تجارة ) باسم الجزائر و يبعث بقناصل الجزائر إلى الدول الكبرى و يوافق على اعتماد القناصل في الجزائر بدون مشاورة تركيا ، و يعلن الحرب ، و يستعمل العملة الخاصة بالجزائر ، و هذه العوامل كلها تبين استقلالية القرار الجزائري.
·        إن نفوذ الجيش البحري ( الرياس ) و الدايات لم يخدم الأهالي و لم يستجب لمطالبهم ، حيث بقي أبناء الجزائر مهمشين و لم تكن لهم مشاركة حقيقية في قيادة البلاد .
·        توجه القوات العسكرية و السياسية لخدمة مصالحهم ، حيث تحول الرياس من جنود مناضلين و مقاتلين ضد القوات المسيحية المعادية للإسلام إلى رجال يبحثون عن الغنائم لأنفسهم و للحكام ، و بالمثل اهتم حكام الجزائر الدايات بجمع الثروة من العمليات الحربية ، و لم يهتموا بتطور الدخل من الثروة الفلاحية و توفير الغذاء للسكان.
أما فيما يخص أهم الأحداث التي عرفتها فترة الدايات فنوجزها في النقاط التالية :
-        تمكن حكام الجزائر في هذه المرحلة الأخيرة من القضاء نهائيا على الوجود الاسباني في الجزائر و بالتحديد في وهران و المرسى الكبير ، و كان ذلك في سنة 1792. . يذكر أن تحرير مدينة وهران من الاسبان تم على مرحلتين : حيث كان التحرير الأول عنوة عام 1708 على يد مصطفى أبو الشلاغم باي الايالة الوهرانية و صهره أوزن حسن ، و في عهد الداي محمد بقطاش باشا ، و ذلك بعد أن مكث فيها الاسبان مائتين و خمسة أعوام
و على إثر هذا الانتصار نقلت عاصمة البايلك من معسكر إلى وهران ، و يسمى هذا الحدث بفتح وهران الأول ، لكن الإسبان عادوا سنة 1732 و احتلوها مرة ثانية ، إلى أن جاء  عهد حسن باشا  الذي شهد على يديه التحرير النهائي لمدينة وهران سنة 1792 .
-        من الأحداث المميزة لهذا العهد كثرة الغارّات الأوربية على سواحل البلاد برغبة الانتقام من قوة الجزائر البحرية خاصة من طرف:  الإسبان ، الإنجليز ، و الفرنسيين  ، حيث نظم الأميرال الفرنسي " دوكين " في عهد الداي بابا حسن  و بالضبط يوم 12 جويلية 1682 حملة عسكرية قوامها ثلاثون سفينة حربية لمهاجمة شرشال و مدينة الجزائر ، لكن هذه المحاولة باءت كغيرها من الفشل . و في عام 1684 أبرمت الجزائر معاهدة سلم مع فرنسا لمدة مائة سنة ، لكنها نقضت عام 1776 بسبب نشوب معركة بين السفن الفرنسية و الجزائرية ، و مرة أخرى تم الصلح بين الطرفين . 
-        و في عهد محمد عثمان باشا  خاضت الجزائر حربا ضد الدنمارك و بالتحديد عام 1770 ، حيث قنبلت الميناء الجزائري ، لكن الجيش البحري الجزائري كان أقوى منها بكثير فتغلب عليها و أجبرها على التفاوض .
-        و في عام 1770 شنت القوات الاسبانية حملة عسكرية ضد الجزائر بأمر من الملك شارل الثالث و بقيادة ( Don Pédro ) ، و لم تكد تنزل القوات الاسبانية على أرض الجزائر حتى تصدت لها قوات صالح باي قسنطينة و ألحقت بهم شر الهزيمة . من بعدها حاول الملك شارل الثالث مصالحة الجزائريين لكن الداي محمد عثمان باشا رفض لعدم ثقته في الاسبان ، فكرر الاسبان هجماتهم عام 1784 على الجزائر بقيادة ( Don Antonio ) لكن كالعادة  القوات البحرية الجزائرية أجبرتهم على الانسحاب. و بعد ذلك قبلت الجزائر الصلح مع الاسبان على شرط جلاء الحامية الاسبانية من وهران و المرسى الكبير ، فقبل الاسبان هذا الشرط ، لكن لم ينفذ فعليا إلا في عهد الداي حسن باشا أي في سنة 1792 – كما أشرنا سابقا- 
المراجع المعتمدة في المحاضرة الأولى :
1-               عمار بوحوش ، التاريخ السياسي للجزائر من البداية و لغاية 1962 ، ط 1 ، بيروت ، دار العرب الاسلامي ، 1997
2-               عمار عمورة ، موجز في تاريخ الجزائر ، ط 1 ، الجزائر ، دار ريحانة ، 2002 .
3-               صالح فركوس ، المختصر في تاريخ الجزائر ( من عهد الفينقيين إلى خروج الفرنسيين 814 ق.م – 1962 م ) ، (ب.ط) ، دار العلوم للنشر و التوزيع ، ( ب.س.ط)
4-               الكتاب المدرسي ، ج 1 ، السنة الثالثة ثانوي .
5-               جمال الدين سهيل ، ملامح من شخصية تاريخ الجزائر خلال القرن 11 و 17 م ، مجلة الواحات للبحوث و الدراسات ، المركز الجامعي غرداية ، العدد 13 ، 2011
6-               محمد مقصودة ، الكراغلة و السلطة في الجزائر خلال العهد العثماني ( 1519 -1830 ) ، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في التاريخ الحديث و المعاصر ، قسم التاريخ و الآثار ، كلية العلوم الانسانية و الحضارة الاسلامية ، جامعة وهران ، 2014














هناك 16 تعليقًا:

  1. محاضرة تدل على ان الاستاذة لديها رؤية تاربخية عميفة و عمق معلوماتى راسخ و حس تاريخى مرهف و رؤية ثاقبة للاحداث دكتور احمد سميح email:ahmedsameeh67@yahoo.com

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا لك دكتور على مرورك الطيب و على هذه العبارات المشجعة لي هذا من لطفك و نبل أخلاقك تحياتي

      حذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    ممكن مساعدة في إنجاز بحث بعنوان " التقسبمات الإدارية في تونس العثمانية " وهو ضمن موضوع أكبر بعنوان الإدارة العثمانية في تونس
    ممكن تنصحني بمراجع ومصادر حول هذا البحث وبعض المعلومات حول الفترة المذكورة وشكرا

    ردحذف
    الردود
    1. و عليكم السلام و الرحمة اعتذر عن تأخري في الرد ، للأسف ليس بحوزتي مراجع أو حتى معلومات فيما يخص هذا الموضوع ، لكن انصحك بالاطلاع على عناوين الكتب التالية :الأتراك العثمانيون في شمال افريقا،السيطرة العثمانية على الحوض الغربى للبحر المتوسط فى القرن السادس عشر الميلادي ،إستراتيجية الفتح العثماني، تاريخ تونس من عصور ما قبل التاريخ إلى الإستقلال، كل هذه الكتب متوفرة على الانترنت بصيغة pdf موفق ان شاء الله .

      حذف
  4. السلام عليكم دكتورة اريد سؤال واحد فقط او طلب هل لديك صورة لخريطة الجزائر اثناء الحماية العثمانية ؟؟؟؟ ارجو الاجابة

    ردحذف
    الردود
    1. و عليكم السلام و الرحمة للأسف ليس بحوزتي هذه الصورة ، تحياتي

      حذف
  5. السلام عليكم أستاذة
    نشكرك على هذه المحاضرة القيمة وأرجوا أن تساعديني في بحثي المعنون بالزراعة في الجزائر خلال العهد العثماني. وشكراً

    ردحذف
    الردود
    1. و عليكم السلام و الرحمة العفو و اعتذر عن تأخري في الرد تحياتي

      حذف
  6. ماهي اهم الثورات التي قام بها الجيش الانكشاري خلال العهد العثماني ارجو الرد من فضلكي

    ردحذف
  7. ماهي اهم الثورات التي خاضها الجيش الانكشاري خلال العهد العثماني بالجزائر؟؟ ارجو الرد استاذه وشكرا

    ردحذف
  8. السلام عليكم استاذة الاستاذ بايزديد من نفس جامعتكم ممكن نحصل على هذا المقال في بريدي الالكتروني albaizid@gmail.com

    ردحذف
  9. شكرا لك استاذة على هذه المحاضرة القيمة و اتمنى ان اصبح مثلك في يوم من الايام لانك خير قدوة الاشارة فقط انا طالبة في جامعة الجزائر 3 كلية علوم الاعلام و الاتصال

    ردحذف
  10. شكرا لك ملاحظة فقط لماذا لا يوجد التهميش ؟

    ردحذف
  11. السلام عليكم ماهو دور البايات في الحياة الثقافية في عهد الدايات

    ردحذف
  12. السلام عليكم ماهو دور البايات في الحياة الثقافية في عهد الدايات

    ردحذف